عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

142

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وفيها توفي الفارقاني شمس الدين أقسنقر الظاهري أستاذ دار الملك الظاهر . جعله الملك السعيد نائبه ، فلم ترض خاصة السعيد بذلك ، ووثبوا على الفارقاني واعتقلوه ، ولم يقدر السعيد على مخالفتهم ، فقيل : إنهم خنقوه ، وكان وسيماً جسيماً شجاعاً نبيلاً ذا خبرة ورأي ، ومهابة ووقار ، وفيه ديانة وايثار . وفيها توفي الأديب البارع نجم الدين محمد بن نوار الشيباني الدمشقي الفقير صاحب الحريري ، المعروف بابن إسرائيل ، كان روح المشاهد ، وريحانة المجامع فقيراً ظريفاً نظيفاً لطيفاً مليح النظم ، رائق المعاني ، وبعض الفقهاء ينكر عليه ، ويقول : في بعض نظمه التصريح ، وفي بعضه التلويح بالإلحاد . وفيها توفي شيخ الحنفية قاضي القضاة أبو الفضل سليمان بن أبي العز الأذرعي أحد من انتهت إليه رياسة المذهب في زمانه . وفيها توفي ابن حباء الوزير الأوحد الشهير علي بن محمد المصري الكاتب الملقب بهاء الدين أحد رجال الدهر حزماً ورأياً وجلالة ونبلاً وقياماً بأعباء الأمور مع الدين والفقه ، والسيرة الحميدة ، والمحاسن العديدة ، والثروة الكثيرة ، والفتوة الشهيرة ابتلى بفقد ولديه الصدر بن فخر الدين ، ومحي الدين ، فصبر وتجلد ، وله من المناقب والمفاخر حظ وافر كثير . سنة ثمان وسبعين وست مائة فيها اختلف خواص الملك السعيد عليه ، وخرج بعضهم عن الطاعة ، وتابعه نحو أربع مائة من الظاهرية ، فعسكر بالقطيفة ينتظر الجيش الذين ساروا للإغارة على بلاد " سيس " مع الأمير سيف الدين قلاوون ، فقدموا ونزل الكل في بعض المنازل ، وراسلوا الملك السعيد ، ثم اجتمع مقدم الخارجين عن الطاعة سيف الدين قلاوون ، وغيره من كبار الجيش ، وأفسد نياتهم ، واستمروا كلهم إلى مصر ، فسار وراءهم ، وبعث خزاينه إلى الكرك ، ثم دخل قلعة القاهرة بعد مناوشة وحروب ، قتل جماعة ، ثم حاصروه بالقلعة حتى ذل لهم ، وخلع نفسه من السلطنة ، وقنع بالكرك ، ورتبوا في السلطنة أخاه سلامش بالسين المهملة في أوله والمعجمة في آخره ، وعمره سبع سنين ، وجعلوا أتابك سيف الدين قلاوون ، وجعل نيابة دمشق لسنقر الأشقر ، ثم ترتب في السلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي في الحادي والعشرين من رجب من غير نزاع ولا قتال ، ولا اختلف عليه اثنان ، وحلف له